الخميس 26 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
سطوة الماضي

سطوة الماضي

بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

غريب أمر الإنسان، دائمًا ما يظن أن الزمن كفيل بأن يمحي أي شيء من ذاكرته، خاصة الآلام، وبالفعل الألم يبدو كبيرًا في بدايته ويقل تدريجيًا مع مرور الأيام، لدرجة أن هناك لحظة تأتي على الإنسان يظن فيها أنه نسي كل ما ألمَّ به من جُرح وألم، ولكن في لحظة غير متوقعة، وليس لها أي مُقدمات كالصدفة البحتة، يجد الماضي يأتي أمام عينيه، لدرجة أنه يستشعر أنه يعيش تلك اللحظة التي كان يظُن أنه تناساها بكل آلامها وأوجاعها، وكأن كل ما حدث أن الألم سكن لبرهة، ولكنه لم ينتهِ إلى الأبد، ولم يَمْحُهُ الزمن، أو تردم عليه الذكريات؛ لأن الإنسان مثل المخزن الذي يحمل الكثير من الأشياء المنسية، لكنها موجودة، بمجرد أن تفتحه وتعبث فيه، تجد كل شيء لا يزال رابضًا في مكانه، وهنا نتيقن أن كل لحظة تمر في حياتنا لا بد أن تترك بصمة، وتظل هذه البصمة محفورة بداخلنا، بمجرد أن نضع أيدينا عليها، نجد تجويفها لم يُرْدم بعد.



فالمخزون الإنساني أقوى من أن يَمْحيه الزمن، لذا تجد من يُصابون بداء "الزهايمر"، لا ينسون الماضي، بل على العكس، فهم يعيشون فيه، ولا يتذكرون سواه، في حين أنهم دائمو النسيان بالنسبة للحاضر.

فالماضي له سطوة قوية، لها قُدرة على فرض أشرعتها في الوقت الذي تريده؛ لأنه هو التاريخ، والأساس والبُنيان، بكل ما فيه من آلام وأفراح، فهو الهيكل الذي شكل كيان الإنسان، قد نتناساه بعض الوقت، ولكن مكانه سيظل محفورًا بداخلنا على الدوام، والسبب في ذلك يرجع لحكمة، صعب إدراكها الآن، ولكنها بالقطع حكمة قوية وثاقبة، تلك التي تجعل لما فات سطوة غير عادية على ذاكرة الإنسان، قادرة على إعادته إلى لحظات مضت، فيعيشها، وكأنها ما زالت حية، تنبض بداخله، وإن كان هذا يدل على شيء، فإنما يدل على أن حياة الإنسان من ماضٍ وحاضر ومستقبل، ستظل مُترابطة، ومُرتبطة بسلسلة، يصعب حلها على الإطلاق.