الخميس 26 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
يُمكن أن أُسامح.. ولكن لن أنسى

يُمكن أن أُسامح.. ولكن لن أنسى

بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى

التسامح هو أنبل سلوك في البشرية، فهو دليل على الرحمة والإنسانية، لكن هل يُمكن أن يكون التسامح بشكل مُطلق وبلا حدود أو قُيود، ففي هذه الحالة يتحول إلى ضعف، ويمتهن معه الكرامة والكبرياء، ويُقلل من قدْر الإنسان، وأول شيء سيفُكر فيه الطرف الآخر، أن من تسامح معه هو شخص ضعيف وبلا إرادة، وهنا سيستهين بتسامحه، ويعتاد على تكرار الإساءة، طالما أنها من دون رادع.



فمن الممكن أن يتسامح الإنسان، لكن كيف يتسنى له أن ينسى الجُرح الغائر الذي أدمى قلبه، وجعله يعيش في غربة عن نفسه، وعن حياته، فتلك الأيام تكون قاسية، ومُؤلمة، تُحول أي إنسان إلى شخص آخر، لا يعرفه، ويكون غريبًا حتى عن نفسه، لذا من يتسامح فهو شخص قوي؛ لأنه استطاع أن يقهر ماضيه المُؤلم، ويتغلب عليه، وآثر التسامح والعفو على شهوة الانتقام.

ولكن السؤال، هل كل شخص يستحق أن نتسامح معه؟ فأظن أن الإجابة لا بد أن تكون بالنفي، فهناك أشخاص لا يستحقون التسامح على الإطلاق؛ لأنهم من الأساس لم يشعروا بالندم، أو تأنيب الضمير، فكل سُلوك يأتونه، يكون نابعًا من قناعاتهم، بل على العكس، فهم يستهترون بمشاعر الألم التي تُصيب الطرف الآخر، ولا يُلقون لها بالًا، غير عابئين بما يُسيطر على هؤلاء الأشخاص من أحزان قاسية، تكاد تفتك بهم، وتلتهم مشاعرهم ولياليهم.

فإذا أردت أن تُسامح، فسامحْ، لكن لا تنسى، دع قلبك يظل مُتذكرًا ألمك؛ حتى لا تسمح لهذا الشخص أن يُعاود الكَرَّة مرة أخرى، ويُؤلمك بلا رحمة، فهؤلاء عادة يستهترون بتسامحك، ولا يستشعرون أنك أتيت سُلوكًا إنسانيًا، بكل ما تحويه الكلمة من معنى.

لذا، فدع التسامح يملأ قلبك، والعفو دليل على قُوتك ومقدرتك، ولكن لا تدع الذاكرة تمحو ما حدث؛ حتى تحمي نفسك من إيلام الآخرين، خاصة من لا يجدون لذتهم وأنفسهم، سوى في دُموعك وآلامك، فالواقع أن دُموعك هي الحياة التي تروي ظمأهم، وهمس أناتك، هي المُوسيقى العذبة التي يتراقصون عليها ليلًا.

فلا تدع نفسك أسيرًا لهؤلاء، ودع شعارك يكون: "نعم، يُمكنني أن أُسامح، ولكن لا يُمكنني أن أنسى".