الأربعاء 27 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
نهاية حلم وبداية كابوس

نهاية حلم وبداية كابوس

بقلم : طارق رضوان

خائفون يقفون على أعتاب عالم جديد. يرتعشون من المستقبل. وكثير منهم فى العالم العربى فى حالة انتظار واضطراب. يترقبون اتجاه فوهة المدفع الغربى ويتابعون دانته وهى تنطلق. ويرصدون اتجاهها. فكل دانة خارجة من المصانع الحربية الغربية مكتوب عليها اسم ضحيتها. الضحية هى سوريا الآن. ضرب الأسطول الأمريكى والبريطانى والفرنسى فى البحر المتوسط سوريا. فقد ضرب الغرب. والهدف الأكبر ليس نظام الأسد ولا تقليص النفوذ الروسى. كل ذلك تفاصيل. الهدف الأكبر هو محاصرة تمدد الإمبراطور الصينى. تلك هى الحرب باختصار .



وحدها مصر كانت ترى المستقبل بوضوح ووضعت الخطط لمواجهته. ووحده الجيش المصرى رأى ما لم يره الكثيرون فى المنطقة العربية. لذلك كان التسليح الحديث ضمن خطة الجيش للحفاظ على الأرض وعلى التاريخ والجغرافيا والكبرياء المصرى.

فلولا الجيش لدخلت مصر فى الحسبة الغربية. ولولا رؤية الرئيس وقراراته لدخلنا ضمن الخريطة الجديدة. فمن الخطأ أن نفصل التاريخ عن الحاضر أو أن نفصل التاريخ والحاضر عن المستقبل. فالأمريكان يحاولون وقف الزحف الصينى على العالم. كما فعلوها مع الألمان وقت الحرب العالمية الثانية. فقد كان الألمان يحاولون (ألمنة العالم).

الآن الصين تبسط وجودها على الكوكب ويمكنها بقرار انتقامى غاضب أن تسقط أكبر بورصات العالم وينهار الاقتصاد العالمى. وللصين مواقع استراتيجية أهمها قناة السويس ذلك الممر المائى الأخطر فى العالم كله والرابط ما بين العالم القديم والعالم الجديد. وسوريا أحد أهم المواقع الجغرافية التى تقع صوب أعين الصينيين لمرور أنابيب الغاز وللوصول للمتوسط. والمنطقة العربية كلها سوق كبير للمنتجات الصينية وموارده النفطية ذات أهمية قصوى لهم. لذلك كانت الضربة العسكرية الغربية الاساطيل له مدلول وله رسالة.

فقد تزامن مع تهدئة الأجواء ما بين كوريا الجنوبية والشمالية. وتزامن توقيت انعقاد قمة الدول العربية فى الدمام. ضرب سوريا ضرب لقلب العروبة النابض. أى أن اجتماع القمة العربى لم يعد يخيف أو يؤثر فى التوازنات الدولية. فقد انتهى المشروع العربى بلا رجعة فى المستقبل المنظور. وهو أمر ليس مفاجاة. فقد أعلنوا عنه فى السابع والعشرين من أكتوبر عام 2015، حيث عقدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA بالتعاون مع جامعة جورج واشنطن مؤتمراً حول«مهمة المخابرات فى القرن الواحد والعشرين» تضمن خمس حلقات نقاشية. كان أهمها هو الحلقة الأخيرة. حيث تناولت مشروع الشرق الأوسط. تحدث فيها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق جون برينان، ومدير المخابرات البريطانية السابق جون ساورس، ومستشار الأمن القومى الإسرائيلى يعقوب أميديور، ومدير المخابرات الفرنسية والأمن الخارجى الأسبق برنار باجوليه، حيث قال الأخير إنه يرى أن الشرق الأوسط الذى تأسس فى أعقاب الحرب العالمية الثانية انتهى إلى غير رجعة، فسوريا والعراق لن يستعيدا أبداً حدودهما السابقة، إذ أن الدولتين مقسمتان على الأرض والنظام بهما لا يسيطر إلا على أجزاء صغيرة من البلدين.

وقال مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق جون برينان، إن هناك صعوبة تخيل وجود حكومة مركزية فى سوريا وليبيا والعراق واليمن قادرة على ممارسة سيطرة أو سلطة على حدودها، وينبغى اعتماد استراتيجية الخطوات الصغيرة لتغيير المنطقة. لذلك دبت فوضى فى كل مكان فى العالم العربى،  وهى أمة تمتد من الخليج العربى إلى شاطئ المحيط الأطلنطى وهى مجموعة دول تقول كل دساتيرها أن شعوبها تنتمى إلى أمة واحدة بوحدة الدين واللغة والثقافة والامتداد الجغرافى المتصل، ولكن هذه المجموعة غارقة حتى الأذان فى تنقاضات حادة قبلية وحضرية واجتماعية وطبقية زادت بحدة بعد الربيع العربى. فتم إزاحة أنظمة فى سنوات متتالية، مما يثير الشكوك حول «الربيع العربى»، فما نراه الآن ليس مجرد ربيع عربى تسبح نسماته الرقيقة على المنطقة لتتفتح الورود فى الجناين. وليس مجرد عاصفة رملية خمسينية تجتاح أجواءه برياحها وغبارها وعتمتها، وإنما هو تغيير إقليمى ودولى سياسى،  يتحرك بسرعة كاسحة على جبهة عريضة بطول الوطن العربى وعرضه، ويحدث آثاراً عميقة شديدة الخطورة. هذا بالضبط ما نراه الآن، ومعه نزعت خرائط وتبدلت حدود فى المنطقة لشيء مختلف، ليس عربيا بالتأكيد، وهو على الأرجح سيظل معنا إلى زمن طويل. العرب ينسحبون، وآخرون يتقدمون حاملين أسماء أخرى، وعلامات أخرى، وأسلحة أخرى، وثقافات ومبادئ ومطالب ومطامع أخرى. كل ذلك تمهيدا لشرق أوسط جديد يعاد تخطيطه وترتيبه وتأمينه. فهناك أربعة مشاريع تتم.

الأول: مشروع غربي لديه إصرار ولديه مصالح ويملك القوة والنفوذ للنجاح .

والثانى: مشروع إسرائيلى مفتوح شهيته على الصناديق السيادية الخليجية.

والثالث: مشروع تركى طموح متبجح يريد أن يستعيد أمجاد الخلافة العثمانية .

والرابع : مشروع إيرانى يطل برأسه من بعيد على استحياء وخوف.

والأهم هو المشروع الغربى وهو إغراق المنطقة فى صراع «إسلامى – إسلامى»، بالتحديد «سنى – شيعى»، وقد بدأ تنفيذ هذا المشروع من عدة سنوات. لتقسيم المنطقة على طريقة «سايكس بيكو» مع تعديل بسيط لما تتطلبه المصالح الغربية. فالخرائط الجديدة توزع إرث المشروع القومى العربى. فبعض وثائق اتفاقية «سايكس بيكو» الأولى خطيرة، وبالتحديد محضر جلسة جمعت بين رئيس وزراء بريطانيا، لويد جورج، ورئيس وزراء فرنسا «كليمنسو».

كان الاجتماع فى قصر «لانكستر» وسط لندن، وتاريخه بالتحديد الأول من ديسمبر1917. وقد دار بين رئيس الوزراء البريطانى ونظيره الفرنسى حوار حول اتفاقية «سايكس بيكو». حيث وجه رئيس وزراء فرنسا «كليمنسو» سؤالاً إلى رئيس وزراء بريطانيا، لويد جورج. صارحنى يا صديقى بما تريد فى الواقع، حتى لا تظل بيننا فيما بعد شبهة خلاف. ويرد «لويد جورج». مطلبى هو العراق وفلسطين، ويقاطعه رئيس الوزراء الفرنسى يسأله : هل هذا كل شيء ؟ قل لى ولا تخفِ عنى،  ويتردد رئيس الوزراء البريطانى،  ثم قال على استحياء. أريد القدس. ويعود رئيس وزراء فرنسا إلى السؤال. حسناً، سوف أترك لك القدس، ولكن هل هذه نهاية مطالبك، نريد إنهاء كل أسباب الخلاف بيننا، وأسألك. هل القدس آخر الطلبات؟ ثم يكرر السؤال. قل لى بحق صداقتنا، هل لديك شيء لم تقله لى؟ ويرد رئيس وزراء بريطانيا وهو يتنهد محرجا. بصراحة نعم. أريد الموصل. ويرد رئيس وزراء فرنسا التنهيدة كأنه يمنح لصديقه أعز ما يملك، ويقول لرئيس وزراء بريطانيا. حاضر. خذ الموصل.

هكذا تم مناقشة التقسيم كما هو مسجل فى المحاضر التى فضحها البلاشفة بعد ثورتهم. هناك عدة فوارق بالطبع بين «سايكس بيكو» القديمة، و«سايكس بيكو» الجديدة التى يتم تنفيذها الآن، التقسيم فى المرة الأولى كان تقسيما جغرافيا وتقسيم أوطان، محصورا ما بين بريطانيا وفرنسا. ولكن التقسيم هذه المرة تقسيم موارد ومواقع ونفوذ.

وحدها الولايات المتحدة ترسم خططه بلا شريك فى التخطيط وبشريك أوروبى فى التنفيذ. والكل فى عالمنا العربى ينتظر ويترقب. إلا مصر وحدها تقف شامخة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو من أرضها ولا أحد يجرؤ على الاقتراب من جيشها. فخسائره ستكون فادحة. لذلك فالجميع يقترب من مصر طالبا الحماية. يهمه فى المقام الأول أن يظل جيشها متفوقا قويا يدافع عن أمة فى خطر. ولأن رجال الدولة وقيادتها وقيادة جيشها بخبرتهم المتوارثة منذ نصر أكتوبر العظيم يعلمون أن الجيش المصرى وتسليحه وتدريبه مسألة أمن قومى مصرى وأمن قومى عربى. فهم دائما على استعداد كامل وتأهب مدروس. ولديه خطط ورؤية وتأنٍّ فى اتخاذ القرار. فهو العمود الفقرى للأمة المصرية والسند والدرع الواقى للأمة العربية. وبغيره. بغير الجيش المصرى لا وجود لدول ولا درع لأمة. ولا كرامة لأوطان.