الأربعاء 27 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
على من نطلق الإعلام

على من نطلق الإعلام

بقلم : طارق رضوان

مسرعًا ومذهلًا وقاسيًا، يتغير العالم من حولنا، لا مكان للعادات القديمة أو للفكر القديم، ولا وجود لكراكيب الماضي، كل يوم يمر هناك اختراعات تتدفق على البشرية، تغير من معالمها وتسحق هويتها، والإعلام هو أحد أهم أدوات التغيير والتغير. ينطلق مسرعًا على أرض ثابتة وعقيدة راسخة وهو أن الإعلام يحكم البشرية، ومع التقدم التكنولوجي الرهيب أصبح هو السيد.



فالإعلام يخلق سياسات ويجملها حتى لو كانت قبيحة، وتبتلعها الشعوب، وتصدق، وتصبح واقعًا ثم تاريخًا. الصحافة صنعت دولًا، كدولة إسرائيل، وصنعت الدعاية أيديولوجية خلقت نظامًا سياسيًا كاملًا، كما فعلها باول جوزف جوبلز للنازية، فاكتسح هتلر أوروبا كلها، وخلق جوبلز سمعة سيئة لكلمة الدعاية، فأصبحت عارًا، وتعيش إمبراطورية الولايات المتحدة على الدعاية والإعلام، وهم الأسياد في خلق ابتكارات مذهلة في الفكرة والكلمة والصورة والرسم، فقد دخلوا حروبًا بتسجيل تليفزيوني.

غزو العراق كان بفيديو انفجار مركز التجارة العالمي، وكان للصورة الفوتوغرافية تأثير في إنهاء حروب كحرب فيتنام، صورة الطفلة الفيتنامية زكيم فوكس التي تهرول عارية وتصرخ بعد أن أحرقت نيران النابالم جسدها. الصورة التقطها المصور زنيك أوتس وحصل على جائزةPullitzer عام 1973. استخدمها وزير الخارجية هنري كيسنجر لإنهاء الحرب التي دبرها كارتل المؤسسة العسكرية مع المؤسسة الصناعية، وفى عالمنا العربي ابتكر محمد حسنين هيكل (1967) كلمة واحدة في خطاب التنحي لجمال عبدالناصر أنقذت النظام بأكمله من السقوط، وخلقت في وجدان الشعب (فن الممكن)، فكانت كلمة (النكسة) مخرجًا عبقريًا لكارثة أمة، ومر الزمن، وتبدل الحال ودخلت السوشيال ميديا ملعب التأثير، فأزاحت أنظمة حاكمة كانت تظن أنها راسخة، ومع تطور الأحداث، تطورت المواقع إلكترونيا، دخل الفيديو ليشاهد العالم ما يجرى لحظة بلحظة، لقد صنعوا حربًا جديدة تضغط على أعصاب الدولة، أي دولة، فعلى مدى السنوات العشر المقبلة من المرجح أن تتأثر هويات الناس بشكل كبير بفعل العديد من محفزات التغيير المهمة، لا سيما سرعة وتيرة التطورات الحادثة في مجال التكنولوجيا.

هذا ما نصت عليه افتتاحية الهويات المستقبلية وهو تقرير جرى إعداده بتكليف من السير جون بدينجتون الذي كان يشغل منصب كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية. التقرير كشف أن مواقع مثل ماي سبيس وبيبو وإنستجرام وتمبلر وفيس بوك وتويتر ولينكد لا تزال الأكثر استخدامًا في جميع أنحاء العالم، ومقارنة بغيره من الشبكات الاجتماعية فإن مستخدمي الفيس بوك هم الأكثر تفاعلًا (52 %) يزورون موقع الفيس بوك يوميًا في حين تقل النسبة كثيرًا في المواقع الرائجة الأخرى مثل تويتر (%33) ماى سبيس (%7) ولينكد ( %6 ).

يزور المستخدم المتوسط للفيس بوك على الهواتف الذكية صفحته على الموقع بواقع أربع عشرة مرة في اليوم. إنهم يخططون لامتلاك عقول العالم في المستقبل بشعار «أعطنى طفلا حتى يبلغ السابعة وسأعطيك الرجل»، هذا ما يضمنه الرهبان اليسوعيون، الدماغ الفتى والنامى يكون أشد تأثرًا وأكثر عرضة للخطر، وبطبيعة الحال فإن الحساسية التي يتسم بها الدماغ الشاب تجاه التأثيرات الخارجية تسلط الضوء على أهمية تشكيل النوع المناسب من البيئة المبكرة للجيل القادم.

هذا ما قالته عالمة الأعصاب الأستاذ بجامعة دبلن اليانور ماجواير، إذن امتلاك العقول يتم بوتيرة سريعة ومؤثرة ليتحول الفرد - أي فرد - في أي مكان في العالم إلى المواطن العالمى. كل الهويات يحددها أصحاب المواقع الاجتماعية، وقد حددوا الهدف، الطفل والشاب، أما الأعمار الباقية فهي حقل تجارب، وقد انتبه أحد الشباب في بريطانيا يدعى ريان أوكونيل على حسابه الشخصى في مايو 2011 وكتب كما ذكره تقرير السير جون بدينجتون: إن نسيان الناس لوجودى هو ما يؤثر فيَّ حقا، إذا ذهبت إلى حفلة أو كنت في عطلة ولم أوثقها في حسابى على الفيس بوك فهل حدث ذلك حقًا؟ هل يمزق هذا وجودى بوصفى إنسانا ويجبرنى على ارتداء عباءة الإخفاء؟

لديّ ما يقرب من 800 صديق على الفيس بوك، ولكنى لا أخرج إلا مع عدد ضئيل من الناس في واقع الحياة أليس هذا عجيبًا؟ كل هذا الخطاب يجعلنى أريد حذف حسابى على الفيس بوك، وفى الوقت نفسه أتحقق مما إذا كانت لديّ أي رسائل جديدة، وبغض النظر عن قرارى أعتقد أننا قد نتفق جميعًا على أن الفيس بوك قد عبث بحياة جيلى بطريقة حقيقية للغاية، لقد سيطر على حياتنا اليومية من خلال فرض قواعد اجتماعية جديدة وآداب يجب الالتزام بها.

لقد قام في الأساس بتحويلنا إلى كتل عبثية عصابية مصابة بجنون العظمة تخاف من التواصل البشرى الحقيقى. مارك لماذا تحمل لنا هذا الازدراء؟ وفى عام 1964 جادل المارشال ماكلوهان في كتابه الأسطورى فهم وسائل الإعلام بأن التكنولوجيا ليست قناة محايدة، لكنها في حد ذاتها تؤثر في العمليات الذهنية، الوسيلة هي الرسالة، وصنفها إلى ساخنة غير محفزة للحواس تقوم حيث وسائل الإعلام الساخنة بكل المجهود نيابة عنك، فأمام التلفاز أو الإذاعة أو حتى صورة فوتوغرافية بسيطة أنت مجرد متلقٍ سلبى، وفى المقابل فإن وسائل الإعلام الباردة مثل الرسوم المتحركة أو الهاتف تتطلب نوعًا من مشاركتك في الاستجابة لما تعرضه هذه الوسائل بأكثر من الحد الأدنى، ومن المثير للاهتمام أنه يمكن النظر إلى التجارب التي تجرى عبر الإنترنت باعتبارها ساخنة لأن ما يعرض على الشاشة من مادة غريبة ومذهلة على نحو متزايد لا يترك شيئًا للخيال. الهدف واضح كما نرى، والمتخصصون عندنا لم نر منهم دراسة واحدة تحدد الهدف، تشرح لنا لمن يوجه إعلامنا. نبدو وكأننا نرسل الرسائل الإعلامية لبعضنا البعض، ندور حول أنفسنا ونخاطب شريحة عمرية واحدة كأننا نوجهها لشخص واحد فقط، والكتلة البشرية من الشباب المصري التي تمثل %52 من السكان بعيدة تمامًا عن تلك الرسائل التي يرسلها عادة فهلوية الإعلام، أو كراكيب الماضى، خالٍ من الموهبة وفقير في الفكر وبعيد كل البعد عن الحداثة التكنولوجية في مجال الإعلام بكل وسائله، فخرج الشباب عن السيطرة.

الدراسات تتم في الغرب خوفًا من خروج شبابهم عن السيطرة، فليس هناك إعلام محايد كما يظن البعض أو يردد، فهيئة الإذاعة البريطانية الـ«بى بى سي» تدار مباشرة من جهاز المخابرات الإنجليزية، والـ«سى إن إن» تدار مباشرة من المخابرات المركزية الأمريكية، وكذلك الدوتش فيلا الألمانية وروسيا اليوم، وكلها كما نرى توجه للعالم العربي، وبنظرة سريعة على الفيس بوك أو تويتر نرى أن هناك انفصالًا تامًا عما يبثه إعلامنا وما يتناوله الشباب، إذا الشباب لا تصله دانات الإعلام المحلى، فهي دانات تطلق في الفراغ وتتحطم على رمال الوهم، دون أن تصيب الهدف أو حتى تقترب منه فتصل من شظاياه، ونشتكى، وفى القريب تلك الشكوى ستتحول إلى صراخ وعويل وبكاء مع فقدان السيطرة تمامًا.

لابد من ترتيب البيت الإعلامى من جديد ونتخلص نهائيا من فهلوة التناول وكراكيب الماضى، فالقادم خطير ومرعب ولن يرحم أحدًا، ولن ينجو أحد.