الأربعاء 27 يناير 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
ولاية بناء المستقبل

ولاية بناء المستقبل

بقلم : طارق رضوان

عهد جديد يبدأ. بداية طريق. طريق طويل ستخوضه مصر فى فترة الرئاسة الثانية. ما فات كان هدمًا ووضع قواعد. لملمة أطراف الدولة من تشرذم وفوضى وهدم لكل ما هو قديم. وإزاحة كل ما هو معوق. ترتيب البيت. أول شىء سيفعله الرئيس هو اختيار رجال المرحلة. وهم جاهزون. بداية من رئيس الوزراء المنتظر. ونهاية بكل قيادة فى موقعها. مرحلة البناء لها رجالها  تمامًا كما كان لمرحلة الهدم  واللملمة والإزاحة رجال. رجال البناء – البناءون – لهم سمات خاصة. فكر آخر. ورؤية أخرى. وهدف محدد. وإرادة حديدية. ولديهم شرف.

أمام   مصر طريق  صعب  وقاسٍ. طريق البناء هو الأصعب. إعادة البناء لا تحتاج فيه  إلى  إخلاص الرئيس  وأجهزة  الدولة  والرجال حوله فقط. فقد قامت الأجهزة بما يفوق طاقتها وبأدوار كان لابد أن يقوم بها السياسيون. لكن بغياب رجال السياسة وانتهازية معظمهم أُعطيت للأجهزة السيادية والرقابية والأمنية  أدوار  مضاعفة. صعبة وثقيلة. قاموا  بها على أكمل وجه. بجانب تلك الأجهزة لابد من وجود الشعب. كل الشعب. لكل قيادة فى موقعها. لكل فرد على أرضها. الدولة تحتاج إلى أحلام وعقول وطموحات وإدارة وإرادة وتصميم. وتحتاج إلى رجال من طراز خاص. رجال شرف وإخلاص. رجال بناء. وليس رجالًا انتهازيين يستفيدون من الوضع القائم أمامهم لاكتساب الكثير من المزايا الخاصة. ولا تحتاج لكراكيب الماضى. الدولة تحتاج إلى الشباب. دماء مشتعلة ومنشغلة بالمستقبل. الدولة تحتاج استثمارات ضخمة بلا حدود بحجم مصر. وبحجم طموحها ومستقبلها. وإلى عملية نقل ونشر لتكنولوجيا الإنتاج الحديثة فى كل القطاعات. وهذه أهم سمات بناء الدولة القوية المنفتحة على العالم. لكن توفير الاستثمارات من الداخل يقتضى عمليات جراحية تقتطع من ميزانيات الدولة. وهى ميزانيات قليلة أمام حجم الطموحات. فتوفير مثل هذه الاستثمارات من الخارج يشترط مقدمًا ضمانات تبدو لأول وهلة متعارضة مع سياسة الدولة. وأما نقل ونشر التكنولوجيا فتلك حكاية أكثر تعقيدًا. لأن الغرب وهو مالك مفاتيحها مازال يضع القيود على كل شىء، فالتكنولوجيا التى يسمح بنقلها خارج أراضيه ناقصة دائمًا ليمتلك هو المفاتيح. وبيده المنح وبيده المنع. والرئيس رجل عقلانى وواقعى يتصرف بمنطق واتزان وفى حدود المتاح. فقد كان عليه هدم بقايا دولة مهترئة ومحاربة عدو متربص وبناء دولة جديدة. فأى نظام دولى ينشأ من جديد فى منطقة من العالم بعد ثورات هدمت أنظمته السابقة  كانت تبدو مستقرة. يكون عليه أن يعيد بناء مجموعات من الصلات والعلاقات الدولية. ويضع الضوابط والروادع ما يضمن له المزيد من الأمن الإضافى إلى جانب قوته الذاتية. وما يعطيه مزيدًا من القدرة على تحريك إمكانياته وموارده وتحقيق أحلامه بحيث يكون فعل موازين القوة لصالحه. لأن موازين القوة ليست أوضاعًا جامدة وإنما هى مرونة وحركة مستمرة تكسبه كل يوم موقعا جديدا على الطريق إلى أهدافه النهائية. فقد حان وقت تنفيذ مشاريع المستقبل. وليس هناك أقوى من مشروع جاء أوانه وتم تنفيذه. وليس هناك أسوأ من مشروع جاء أوانه ولكن أصحابه لا يعرفون طريقًا يصلون منه إلى تحقيقه أو قوة إرادة وجسارة اتخاذ القرار لتنفيذه. ولعل بعض أهم مشاكل العالم وأخطرها فى هذه اللحظة ناشئ من مشروعات جاء وقت تنفيذها لكنها عند التحقيق أفلتت من خيال أصحابها ومن إرادتهم وبالتالى فإن المشروع تحول من فعل حقيقى إلى فعل فوضى يسيء إلى المشروع ذاته، ويجعل الهدف الذى تولد من أجله فى حالة أسوأ بعدها عما كان عليه قبلها. ففى الأربع سنوات السابقة- وهى الفترة الأولى من حكم الرئيس السيسى- واجهت الدولة خليطًا من الأحداث. سياسية  وعسكرية. فى وقت كانت الدولة فى حالة إعياء شديد وضعف تسرب إلى كل أركانها بعد أن أزاح الشعب حكم الإخوان. وهو ما جعل الدولة تدخل فى مرحلة الحرب. وهى مرحلة إدارة الصراع مع العدو الإخوانى بكل ما ورائه من دول تريد النيل من مصر لتخرجها من معادلة دولية تعد. حرب مهمة قصيرة ودامية وحاسمة. جرت فى ظل موازين صراع قوى كبيرة. وجرت فى ظل خطط إعادة التقسيم. تقسيم نفوذ لإقليم رفعت عنه الحماية الأمريكية فتصارع عليه بقية الدول الكبرى. فطمع الكثيرون فى مصر. وظنوا أنها  لقمة   سائغة يمكن بلعها وهضمها بسهولة. فدخلت مصر الحرب فى سيناء. لترد بقوة وعنف على رسائل من سولت له نفسه باستباحة أراضيها. كانت الحرب ضد الإرهاب محدودة وصلت إلى نتيجة سياسية محددة. ومحدودة لا تعنى أنها نصف حرب أو أنها كانت فى نصف ميدان. ذلك شىء لا تعرفه الحروب إطلاقًا فى أى عصر وفى أى ظرف. فعندما تبدأ الدولة استعمال القوة المسلحة فإنها تستخدمه إلى آخر ما تملك منها فى أى مكان وفى أى وقت. الحرب المحدودة حرب تستهدف تغيير أوضاع قائمة وخلق أوضاع أخرى بدلًا منها ملائمة. كسر وضع قائم وخلق وضع ملائم. فكانت الحرب استراتيجية للدولة. وقد تحقق المطلوب منها. والقتال كان مرحلة استخدام القوة العسكرية بالسلاح لإزالة آثار الإخوان ولفتح طريق يعرقل ويهدد  الأمن فى الحاضر الراهن أو المستقبل المنظور. والدولة عبرت تلك المرحلتين الحرب والقتال. وأمامنا فى السنوات الأربع القادمة صراع السياسة. وهى لعبة كبيرة وخطرة. فالسياسة هى تحديد أهداف الدولة. وهى أهداف بعيدة المدى. أى الاستراتيجية العليا وإدارة جميع مواردها البشرية  والاقتصادية   والطبيعية  والثقافية  بما يخدم هذه الأهداف. فقيمة أى عقيدة سياسية هى مقدار رؤيتها لحركة المتناقضات فى المجتمع وفى العالم وفى توجيهها لصالح التقدم وقواه. لذلك فهى تحتاج إلى وقت طويل وستتعرض لخسائر كبيرة. لكن هذا ليس مهمًا. فعندما يجرى إنسان عملية جراحية فإنه يفقد بعض الدم. وهو ثمن  ضرورى للشفاء. وبعد الشفاء فإن الصحة تستطيع أن تعطى حياة أقوى وأنظف وقوة اندفاع تعوض ما ضاع. فأهم قواعد إدارة وممارسة الصراع السياسى فى العصر الحديث هو تحديد المشكلة. أول شىء يجب فعله هو أن نحسن تعريف أى مشكلة أو أزمة يكون علينا مواجهتها. إن التعميم فى مواجهة المشاكل والأزمات شديد الخطورة. والوهم فى مواجهة المشاكل والأزمات شديد الخطورة. إن بعضنا يتصور بمجرد انطباعاته العامة أنه يعرف المشكلة  أو الأزمة التى يواجهها. ولكن الانطباعات العامة شىء والتعريف  والتحديد بمنتهى الدقة  شىء آخر. وكثيرًا ما يعطى التعريف والتحديد بمنتهى الدقة نتائج تختلف اختلافًا كبيرًا عما توحى  به الانطباعات العامة التى تدور فى رأس أى واحد منها. إن التعريف والتحديد بمنتهى الدقة يجب أن يكون عملًا علميًا خالصًا يستوعب أصول وجذور المشكلة أو الأزمة  التى  نواجهها ويرصد تحركاتها الراهنة ويمد بصره إلى اتجاهاتها المستقبلية على ألا ينسى طوال الوقت تفاصيل الوقائع أو المزاج النفسى لأبطالها. الطريق طويل وصعب وشاق وقاسٍ. لكن الشعب اختار. اختياره كان مكتوبًا للتاريخ فى صناديق الانتخاب. الشعب تعلم وقرر ونفذ. وهو ما يزيد المسئولية ويثقلها. فقد أعطى الشعب الثقة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى وعلى الشعب أن يكمل المشوار مع الرئيس. المشوار الصعب. مشوار المستقبل.