

محسن عبدالستار
الثقة بالنفس
بقلم : محسن عبدالستار
هناك شيء لا يستطيع أي شخص في العالم أن يمنحه لك، شيء قد تحصل عليه عندما ترتبط بذاتك، لا تستطيع أن تملكه بالأموال، وإنما بالمحبة وحسن المعاملة وتطوير مهاراتك وذاتك.. هذا الشيء هو الثقة بالنفس، فمن دونها لن تتمكن من تحقيق السعادة الداخلية أو حتى مزاولة مهامك وأعمالك اليومية بنشاط وحيوية.
الثقة بالنفس هي أن تعتقد أنك تمارس سلوكًا صحيحًا، أو تتصرف في ذلك الموقف المحدد بطريقة صحيحة، أنت تراها صحيحة حتى لو كانت خاطئة من وجهة نظر الآخرين، فالثقة بالنفس ليست مرتبطة بالصواب والخطأ، وإنما بنظرتك لذاتك.
فعندما سئل نابليون قائد الحملة الفرنسية: كيف استطعت أن تولد الثقة في نفوس أفراد جيشك قال: "حاربت ثلاثًا بثلاث، من قال لا أقدر قلت له حاول، ومن قال لا أعرف قلت له تعلم، ومن قال مستحيل قلت له جرب".. هكذا رد القائد الفرنسي بونابرت، فهل كان جيش نابليون أقوى الجيوش حقًا أو يمتلك قوة خارقة تحقق له ما يستطيع؟!
إنها الثقة بالنفس، التي جعلتهم يحققون ما فشل فيه الآخرون.. لذلك حققوا الكثير من الانتصارات في أوروبا وخارجها.
وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الخليفة الراشدي الثاني بعد أبي بكر، صاحب الهيبة في النفوس، الذي كان يخافه الجميع، لشدته في الحق.. عندما مر ذات يوم بغلمان يلعبون في بعض طرقات المدينة المنورة، يتفقد أحوالها بنفسه، فلما رأوه أسرعوا هاربين بعيدًا، إلا غلامًا واحدًا، وقف، ثم أفسح الطريق للخليفة فلما صار عمر بجانبه تقدم منه وحياه بلطف، ثم سأل:
لماذا لم تهرب أيها الغلام الطيب مثلما هرب رفاقك؟
فقال الولد بهدوء وأدب: "لم أكن مذنبًا يا أمير المؤمنين فأخافك على نفسي، وليست الطريق ضيقة فأوسعها لك احترامًا".
أعجب عمر بالغلام.. ومسح على رأسه، وقال له: بارك الله بك يا ولدي.. ليت كل الغلمان مثلك.
أتدرون من هذا الغلام؟ إنه عبد الله بن الزبير بن العوام، ابن أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهم- وجدَّته صفية بنت عبد المطلب.. إنها الثقة بالنفس لدى الزبير التي تربى عليها منذ صغره، فعندما مر بجانبه الفاروق، الذي كان يخاف منه الكثيرون وتفر منه الشياطين.. لم يهرب منه مثل أقرانه من الصبية، بل وقف مكانه في قوة، وتحدث مع أمير المؤمنين بأدب ولطف، فدعا له الفاروق، وتمنى أن يكون كل الغلمان مثله.
فالأشخاص الفاقدون لثقتهم في أنفسهم مهزوزون، يسهل التحكم فيهم وبرمجتهم، وهم عمومًا أشخاص يشعرون بالذنب طوال الوقت.
فالإنسان ضعيف بطبعه ولا يستطيع القيام بالأعمال التي تفوق طاقته وإمكاناته لكن بتطويع النفس وتدريبها يصل لما يريد.
هذا لا يعني ألا نسعى وراء الكمال وإعمار الأرض، فقط افعل الأمور التي تستطيع عملها، ولا تجري وراء تحقيق أمور بعيدة كل البعد عن قدراتك.
الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله، لكن الإنسان يضع مبررات لتقصيره، وأي قرار يتخذه كبيرًا أو صغيرًا ذكرًا أو أنثى، لا بد أن يصل إليه.
يوجد آباء وأمهات أحدهم لا يسمح لابنه بأن يقوم بعمل أبدًا.. ويقول له: إنك لا تعرف.. اتركه لا يعرف! ولن يعرف بالتالي طوال حياته، فلا بد أن يوطن الأب نفسه على أن ابنه يمكن أن يخطئ، فإذا أخطأ وأصلحت له خطأه أفضل من أن يظل جاهلًا لا يعرف شيئًا.
فالشخص الواثق من نفسه دائما نجده مليئًا بالحماس، وتجد له القدرة على التعامل مع كل الأشخاص في أي مكان وأي زمان.